أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

97

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 46 إلى 47 ] وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 46 ) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 47 ) وقوله تعالى : فِي الْمَهْدِ يجوز فيه وجهان : أحدهما - وهو الظاهر - أنه متعلّق بمحذوف ، على أنه حال من الضمير في « يُكَلِّمُ » أي : يكلّمهم صغيرا وكهلا ، فكهلا على هذا نسق على هذه الحال المؤولة . والثاني : أنه ظرف للتكليم كسائر الفضلات ، فكهلا على هذا نسق على وجيها فعلى هذا يكون خمسة أحوال . والكهل : من بلغ سنّ الكهولة وأولها ثلاثون ، وقيل : اثنان ، وقيل ثلاث وثلاثون . وقيل : أربعون ، وآخرها ستون ، ثم يدخل في سن الشيخوخة واشتقاقه من اكتهل النبات : إذا علا وأربع ، ومنه : الكاهل ، وقال صاحب المجمل : « اكتهل الرجل : وخطه الشيب من قولهم : اكتهلت الروضة إذا عمّها النّور ، والمرأة : كهلة » . وقال الراغب : « والكهل من وخطه الشيب ، واكتهل النبات : إذا شارف اليبوسة مشارفة الكهل الشيب ، وأنشد قول الأعشى في وصف روضة : 1296 - يضاحك الشّمس منها كوكب شرق * مؤزّر بعميم النّبت مكتهل « 1 » وقد تقدّم الكلام في تنقّل أحوال الولد من لدن كونه في البطن إلى شيخوخته عند ذكر « غلام » « 2 » فلا نعيده . وقال بعضهم : « ما دام في بطن أمه فهو جنين ، فإذا ولد فوليد ، فإذا لم يستتمّ الأسبوع فصديع ، وما دام يرضع فهو رضيع ، ثم هو فطيم عند الفطام ، وإذا لم يرضع فمحوش ، فإذا دبّ دارج ، فإذا سقطت رواضعه فثغور ، فإذا نبتت بعد إسقاطه فمثغور ومتغور ، فإذا جاوز العشر فمترعرع وناشىء ، فإذا لم يبلغ الحلم فيافع ومراهق ، فإذا احتلم فحزوّر ، والغلام يطلق عليه في جميع أحواله بعد الولادة ، فإذا اخضرّ شاربه وسال عذاره فباقل ، فإذا صار ذا لحية ففتيّ وشارخ ، فإذا ما كملت لحيته فمتجمّع ، ثم هو من الثلاثين إلى الأربعين شاب ، ومن الأربعين إلى ستين كهل » ولأهل اللغة عبارات مختلفة في ذلك ، وهذا أشهرها . فإن قيل : المستغرب إنما هو كلام الطفل في المهد ، وأما كلام الكهول فغير مستغرب ، فالجواب أنهم قالوا : لم يتكلم صبيّ في المهد وعاش ، أو لم يتكلّم أصلا بل يبقى أخرس أبدا ، فبشّر اللّه مريم بأنّ هذا يتكلم طفلا ويعيش ويتكلم في حال كهولته ، ففيه تطمين لخاطرها بما يخالف العادة . وقال الزمخشري : « بمعنى يكلّم الناس طفلا وكهلا ، ومعناه يكلّم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين الحالتين : حالة الطفولة وحالة الكهولة » . والمهد : ما يهيّأ للصبي أن يربّى فيه ، من مهّدت له المكان أي : وطّأته وليّنته له ، وفيه احتمالان : أحدهما : أن يكون أصله المصدر ، فسمّي به المكان . وأن يكون بنفسه اسم مكان غير مصدر وقد قرىء مهدا ومهادا في طه « 3 » كما سيأتي .

--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 57 ) ، الصناعتين ( 212 ) ، المشكل ( 136 ) . وقال قول الأعشى : يضاحك الشمس ، معناه : يدور معها ومضاحكته إياها : حسن له ونضرة . والكوكب : معظم النبات ، والشرق الريان الممتلىء ماء . والمؤزر : الذي صار النبات كالإزار له ، والعميم : النبت الكثيف الحسن ، واكتهلت الروضة : إذا عمها نبتها . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 40 ) . ( 3 ) آية ( 53 ) .